نهايةٌ بألم خيرٌ من ألمٍ بلانهاية !

إن تفاقم الأزمة السوريّة ووصول الحال إلى ماهو عليه وبروز مؤشّرات واضحه لاحتمال تمدّدها إقليميّاً وحتّى عالميّاً وانسداد أيّ أفق لحلٍّ قريب أو حتّى بعيد يفرض علينا كسوريّين وكعرب التصرّف بمسؤوليّة وحكمة للخروج من هذا المأزق التاريخيّ ..
فالأزمة السوريّة ليست أزمةً تقليديّةً ليتمّ معالجتها بأساليب تقليديّة. إنّها أزمة وجود وهويّة .. أزمة تاريخٍ ومستقبل.
كلّ المؤشّرات تدّل على أنّ النظام السوريّ كجزء من المشروع الإيراني الإجتثاثي التوسّعي يتحكّم بكافّة مجريات الحرب الّتي شنّها على الشعب السوريّ المظلوم بعد تحضيرات واستعدادات على مدى أكثر من أربعين عاماً , ليس فقط عسكرياً وأمنيّاً وإنّما إعلامياً واقتصاديّاً وسياسيّاً دبلوماسياً وحتّى اجتماعيّاً.
لقد جعل النظام من هذه الحرب خياراً غير قابل للتفادي , فلم يفرض على السوريّين وعلى العالم أجمع ساعة ومكان انطلاقها فقط – عندما استفزّ وجهاء حوران ومن خلفهم كلّ السنّة العرب بشرفهم وعرضهم – بل أيضاً حدّد أدواتها وساحاتها ووسائلها وفرض قوانتينها عن سابق تصميمٍ وتخطيطٍ وتنفيذ. وليس ما نشاهده من تطوّرات وأحداثٍ جسام إلًا تأكيداً لهذه الرؤية. فليس صدفةً أنّ كلّ ما يحصل داخليّاً وإقليميّاً وحتّى دوليّاً يصبُّ بشكلً مباشرً أو غير مباشر في مصلحة النظام الّذي يرفض أن يتنازل لشعبه مقدار أنملةٍ.
إنّ إعادة تشخيص الازمة السوريّة على ضوء ماشهدناه خلال السنوات الستّ الماضية, ومن خلال ماتكشّف لنا من اختراق هذا النظام بخبثٍ لكلّ شيئ داخليّاً وإقليميّاً وعالميّاً وتكريسه كلّ الطاقات والموارد لخدمة بقاءه كما هو وإلى الأبد.
فمن الخطأ القاتل الإستمرار في الإعتقاد بأنّ الاسد في حالة ردّ فعل. أو أنّه ضعيف , فما زال يقاتل السوريّين بجيش السوريّين بعيداً عن خطوط دفاعه ويجعله قادراً على المناورة والتظاهر بالضعب وأنّه على وشك الإنهيار.
فقوّات نخبة الأسد مازالت في ثكناتها وبكامل قوّتها ولا تتعدّى مشاركتها في المعارك حدّ المناورات التدريبيّة في مناطق كداريّاً وجوبر والهامة ووادي بردى.
مأساة الثورة السوريّة والمعارضة السياسيّة وأحد أهمّ أسباب الفشل إلى الآن ليس فقط في تحقيق أيٍّ من اهدافها بل في وقف حالة الإنهيار أنّها وقعت في فخّ النظام وقارعته في ميادين كرّس كلّ جهده خلال عقود للتحضير لها, وتجاهلت الثورة الفكريّة الّتي كان من الضروري جدّاً أن تواكب مسارات الثورة الأخرى وتوجّهها وتصوّبها وتقودها .. تختار شعاراتها وأدواتها وتقدّمها للعالم كثورة شعبً مظلوم يسعى للتخلّص من أعتى أنظمة التاريخ إجراماً ولؤماً.
ثورةٌ على النظام بوجوده الفكريّ والثقافيّ.. على سياساته وتحالفاته واستراتيجيّاته وثوابته ووسائله ومفاهيمه .
ثورة على منظومة الأحكام المسبقة والمُسَلَّمات المبنيّة على روايةٍ مفبركةٍ للتاريخ ولتحليل مُسَيَّسٍ للأحداث .
لقد أنشأً النظام من سوريةً منظومةً فسادٍ يحميهاً جيشٌ وحكومةٌ وأجهزةٍ أمنيّةً قادرةً على الوصول إلى أبعد مدى لتحمي استمراريّته., ناهيك عن النقابات والسفارات والمؤسّسات والمنظّمات بما فيها الدوليّة والعربيّة وحتّى الأندية الرياضيّة والجمعيّات الخيريّة كلّها كانت تُدار من قبل الأجهزة الأمنيّة المختلفة.
المؤسّسات التربويّة والدينيّة والإعلاميّة كلّها كانت مُسَخَّرةً لخدمته وخدمة أمنه وأستمرار تسلّطه على البلاد والعباد.
قدّم الولاء على الكفاءة في كافّة المجالات وأشاع نهب المال العام والرشوة والفساد . كرّس الأنانيّة والوصوليّة والتملّق والتسلّق كوسيلة تغني عن الكفاءة والمهارة في شغل جميع المناصب والوظائف. قتل روح العمل الجماعي عند السوريّين , وهذا مايدفع ثمنه الشعب السوري المهجّر والمُلاحق والمعتقل والمحاصر منذ 6 سنوات.
لقدّ غسل النظام أدمغةً الأجيال المتعاقبة بإيديولوجيّات مسمومة وشعاراتٍ خياليّة واستراتيجيّات وهميّة وجعل من مقاومة المؤامرة المرتقبة على قلعة الصمود والتصدّي هدفاً يستحقّ إهمال ماسواه من مناحي الحياة الثقافيّة والسياسيّة والإقتصاديّة والتنمويّة والخدميّة ووو.
وبناءً عليه علينا كسوريّين وكعرب إعادة تقييم المراحل السابقة, ليس فقط مرحلة الثورة أو مرحلة حكم الأسد , بل علينا إعادة تقييم سياسات واستراتيجيّات وشعارات ومفاهيم قرن من الزمن.
لابدّ من إعادة تفنيد كلّ التوجّهات السياسيّة المبنيّة على فكرة القوميّة العربيّة وتفنيد القوميّة العربيّة كفكر سياسي هدّام فهو من أوصلنا غلى هذا الحالة المزريّة.
علينا كعرب إعادة ترتيب أولويّاتنا وتصنيف أعداءنا وأصدقاءنا , وفي عالم تتغيّر تحالفاته بشكلٍ مفاجئ وجذري عليناإعادة بناء تحالفاتنا على اساس المصالح المشتركة الإقتصاديّة منها والثقافيّة والأمنيّة والعسكريّة, فقد ولّت إلى غير رجعةًٍ عصور التحالفات الإيديولوجيّة والعرقيّة.
على المجتمع الدولي أن يدين إيران وتدخّلاتها السافرة في الشؤون الداخليّة للبلاد العربيّة ودول الجوار ووضع حدّ رادع لها. فالنظام في إيران ومنذ انقضاضه على ثورة الشعب الإيراني العظيم وهو لاينتج ولا يصدّر إلّا المؤامرات والدسائس والأسلحة والطائفيّة .. على العالم الإعتراف بأنّ إيران إيران هي المنتج والمصدّر للإرهاب بكافّة ألوانه الشيعيّ برعايته علنا والسنيّ باختراق قياداته وتكريسه لخدمة مشروعها في المنطقة والعالم !
للأسف فإنّ كافّة الحلول المقترحة غير واقعيّة ولاتأتي على أسباب الأزمة وتكتفي بالتعامل مع آثارها.
لابدّ من استباق الأحداث ومنع الإنهيار الكبير الّذي قد يؤدّي -لاسمح الله- إلى انتشار الحريق والفوضى في الإقليم.
لابدّ من استباق الأحداث وقطع السبل على من يسعون للسيطرة على المنطقة من خلال تفتيتها ونشر عدم الإستقرار والحروب الطائفيّة المدمّرة.
إنّ التقسيم المنظّم والمُبَرمج لسوريا والمحدّد بمرحلة إنتقاليّة يتم خلاله معالجة كلّ الملفّات الّتي سيكون من المستحيل على السوريّين التعامل معها بمفردهم هو السبيل الوحيد لتفادي تشظّي البلاد إلى عدد غير متناهي من الولايات المحكومة من مجموعات صغيرة تقودها إيران جميعً بعلمهم وأبو بدون علمهم, ما سينتج عنه حتماً انتداد الشروخ التقسيميّة في مختلف الإتّجاهات!
التقسيم الّذي يتضمّن خطّةً زمنيّة لإعادة التوحديد على أسس عصريّة بعد معالجة آثار 6 سنوات من التدمير للبشر والحجر و50 عاماً من التهميش والإهمال على كافّة الأصعدة.
إنّ تظافر جهود العالم المنتضرّر من الأزمة السوريّة ضمن مؤتمرٍ دولي يضع أسس الحلّ ويوزّع المسؤوليّات على الدول المعنيّة ويقدّر الأضرار ويعالج آثار الأزمة خلال فترة أنتقاليّة يتمّ بعدها استفتاء الشعب السوري على نوع النظام السياسي وشكل الدولة الّتي يتمنّى السوريّن أن يعيشوا فيها ويورثوها للأجيال القادمة.
إنّ دول الجوال الّتي تأنّ تحت وطأة ضغط ملف الّلجئين والأعباء الإقتصاديّة والخدميّة والأمنيّة لها أكبر المصالح بتنفيذ هذا المشروع والعمل على إنجاحه. نحن في سوريه وإن كنّا نسعى لاجتثاث فكر البعث القومي المسموم لن نستغني عن عمقنا العربي متمثّلاً بدول الخليج والأردن ومصر .
أزمة الّلجئين تهدّد بتغيير وجه أوربّا ولتعيد اليمين المتطرّف للقيادة بلادها مايهدّد مفاهيم الإنفتاح والتعايش وقبول الآخر الّتي تقوم عليها الحضارة الغربيّة.
أوّل خطوة على الطريق الصحيح هي الإعتراف بأنّنا في الطريق الخاطئ.

بقلم عصام زيتون  باحث سياسي ومعارض سوري مستقل – مبادرة سلام الجولان

 

שתפו את הכתבה:

הוסף תגובה

אתה חייב להיות מחובר בכדי לפרסם תגובה. ניתן להתחבר באמצעות חשבון פייסבוק,טוויטר או גוגל.